الأجنحة المتكسرة

الأجنحة المتكسرة

قد تكون القصة في حد ذاتها ليست بالنادرة. فكل من يبحث عن ملخص لرواية الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران سيعلم أنها تروي قصة حب لم يثمر و وصل لم يكتمل. فسلمى و الراوي شابين غريبين في مقتبل العمر يقعان في حب بعضهما البعض، و يشعران بتواصل أرواحهما دون الحاجة للكلام. حب خالص لن يكتب له رؤية النور لأن « يد القضاء » نسجت تفاصيل زيجة عائلية هدفها الرئيس المال و السلطة مما سيرمي بهما في حلقة من الأسى و الضياع و القنوط.

ان عذاب النفس بثباتها أمام المصاعب والمتاعب لهو أشرف من تقهقرها إلى حيث الأمان والطمأنينة. فالفراشة التي تظل مرفوفة حول السراج حتى تحترق هي أسمى من الخلد الذي يعيش براحة وسلامة في نفقه المظلم.

قصة مستوحاة من الواقع في شخصياتها و تفاصيلها، لكن الذي يجعل الأجنحة المتكسرة تحضى بهذا الصيت هو عمق إحساس الأديب ونقاء و سمو مشاعره، و هو الذي يعتبر واحدا من رموز ذروة العصر الأدبي العربي الحديث. فبأسلوب رومانسي متميز، يرحل بنا جبران خليل جبران من النهاية إلى البداية فوق مسارح الحب بين الحياة و الموت من خلال محطات عشق محرم تتقدس فيه الروح و تسعى لتحررها من عبودية الجسد. قصة رضوخ و استسلام لجبروت الواقع.

حاولت أن أفقد ذاتي بين صفحات الكتب لعلني أستأنس بأخيلة الذين طواهم الدهر ، وكم جربت أن أنسى حاضري لأعود بقراءة الأسفار إلى مسارح الأجيال الغابرة ، فلم يُجْدِني كل ذلك نفعًا ، بل كنت كمن يحاول إخماد النار بالزيت ، لأنني لم أكن أرى من مواكب الأجيال سوى أشباحها السوداء ، ولا أسمع من أنغام الأمم غير الندب والنواح ، فسفر أيوب كان عندي أجمل من مزامير داود ، ومراثي أرميا كان أحب لديّ من نشيد سليمان ، ونكبة البرامكة أشد وقعًا في نفسي من عظمة العباسيين ، وقصيدة ابن زريق أكثر تأثيرًا من رباعيات الخيام ، ورواية هملت أقرب إلى قلبي من كل ما كتبه الإفرنج . كذا يُضعف القنوط بصيرتنا ، فلا نرى غير أشباحنا الرهيبة ، وهكذا يصمّ اليأس آذاننا ، فلا نسمع غير طرقات قلوبنا المضطربة .

غير أن الندب و النوح لم تكونا سمتا الرواية الوحيدتين. فقد تميزت في صفحاتها ال١٠٠ برؤى المؤلف الفلسفية حول الظلم و الفقر و الأمومة و مكانة المرأة الشرقية في مجتمع تسوده التقاليد و يحمكه الدين. علما أن ملهمة الكاتب و معشوقته إلى الممات هي امرأة أمريكية مستقلة. فماري هاسكل أثرت في جبران طيلة حياته و المعروف أنه ظل وفيا لعشقه العقيم لها إلى حد تلقيبه براهب الحب الأبدي.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *