الجارية الموسكوفية – حُرّم


Read / mercredi, octobre 5th, 2016

يعتبر مسلسل حريم السلطان أو « القرن الذهبي » من أضخم الأعمال التركية التي شدت المشاهد العربي. فمن منا لم يتابع أجزائه الأربعة أو البعض منها للتعرف على الشخصيات و رصد أحداثه على مدى السنوات الأخيرة.

و على الرغم من الجدل الكبير الذي اثاره سواءً من مبالغات أو تحريفات، فهذا الانتاج الدرامي الذي يعتبر تحويلاً للعديد من الكتابات التي يجد كتابها الأتراك في تاريخهم العثماني بغزواته، تقلباته و عالمه الأنثوي السحري المتجلي في الحرملك مادةً خصبة يحلق فيها الخيال الروائي بعيدا، قد ازاح الستار عن حقبةٍ زمنيةٍ تعتبر الأكثر إزدهاراً في التاريخ و جعل الوصول إلى معطياتها العامة سهلة المنال للمستهلك العربي.

فالروائية دمت آلطن يلكلي أوغلو ليست الوحيدة التي اتخذت من قصة الجارية التي غيرت منحى التاريخ موضوعاً للكتابة. فنجد إلى جانبها روايات لطورهان طان، لناظم تكطاش، ورواية أخرى لمحمد سميح فتحي بعنوان السلطانة حرم.

وإن كانت الترجمة العربية في طبعتها سنة 2012 حملت نفس العنوان، فيجدر الذكر أن النسخة الأصلية معنونة ب« الجارية الموسكوفية حرم » إذ تناولت الكاتبة في سردها لقصة ألكسندرا انستاسيا لسوسكا فترة ما قبل دخولها حرملك السلطان سليمان بل قبل إعتلاءه عرش أبيه السلطان سليم « الجبار ». في محاولةٍ لفض الظلم الشعبي الذي تعرضت له السلطانة حرم و رسمها من طرف المؤرخين كأفعى تقدف السم و تلدغ كل من يقف في وجه طموحها اللاحدودي، قامت الأديبة، بأسلوب شيق للغاية و وصف متلون لا حيز فيه للملل على مدى 528 صفحة من العيار الكبير – أي ما يعادل ضعفه في طبعةٍ مصغرة- ، بالغوص في طفولتها المريرة و تعقب خطوات الفتاة ذات التسع سنين في غابات وجبال ما فوق نهر الفولغا إلى وصولها قصر خانية القرم. فهي التي اقتلعت من بيئتها و جابت أسواق النخاسين وعانت البرد والجوع وعرفت الخوف والتعنيف و لم يكن ارسالها إلى أرض العثمانيينأرض العثمانيين نهاية المآسي، بل أخدت فقط وجها آخر. غير أنها قررت الوقوف منتصبة و الانتقام من الحياة و هذا ما لا تختاره غالبية النساء اللواتي يفضلن الانزواء و الانسحاق في ظروف مماثلة.

ليست حرم تلك المتآمرة الطامحة إلى الترقي مهما كان الثمن، بل كانت المرأة الذكية التي اقترن ذكاؤها بالصبر ,فالنفوذ و الحب يحتاجان صبرا، (والصبر غالباً ما يكون على عاتق النساء)، لاسيما و الكرسي الذي تسعى جاهدة إلى اجلاس ابنها عليه ملطخ بالدماء منذ القدم، فهي غير ملامة في ما تخطط له في ظل أسرة -إبن عثمان- ترفع شعار « إما الموت أو عز الدولة« .

فوازنت بين مشاعر الحب التي تحملها للسلطان، و أمومتها الغريزية و تغذيتها طموحات السلطة والقوة اللتان تسعى اليهما، حيث يشكلان السلاح الفعال للخلود، و الخلود يضمن لها عدم النسيان. فهي التي تغلبت على رياح الهوية  والدين التي كانت تعصف بها من حين إلى آخر, إلى أن قررت أن تكون عثمانية، بل…و سلطانة العثمانيين. فلا تريد أن يذكرها التاريخ على أنها ألكسندرا أو روسلانا, بل السلطانة حرم , ذات الوجه الضاحك البشوش.

فقرار السلطان سليمان القانوني، الذي إتفق الجميع على تأثيرها الأسطوري فيه , شكل قطيعةً مع تقليد عمره 200 سنة يقضي بعدم زواج السلطان من إحدى جواريه و لو كانت محظيته المفضلة و التي لا يشم وردة سواها، عزز من مرتبتها و كان نقطة التحول في مجرى التاريخ , فأصبحت في خلواتها مستشارة السلطان في ما يخص السياسات الخارجية، ما اغفل ذكره الكتاب، كما لم يتناول مراسلتها مع الدول الغربية التي عرفتها بإسم روكسلانة، أو هدايا السفراء لها.

لم تتأت الرواية أيضاً على ذكر الأعمال و الأوقاف التي ساهمت السلطانة حرم بإنشائها. فاستثماراً لموقعها النافذ، قدّمت العديد من المنشآت الخيرية في العاصمة العثمانية، كما شملت أعمالها مكّة المكرمة والقدس. من أوائلها بناء مسجد وإنشاء مدرستين قرآنيتين ومستشفى نسائي في القسطنطينية، بالإضافة إلى حمّام لخدمة المصلّين في آيا صوفيا. وفي القدس. دشنت عام 1552 وقفاً لتقديم الطعام مجاناً للفقراء، كما ابتنى لها المعماري الشهير سنان باشا جامعة اشتهرت باسم « خاصكي« ، فضلاً عن حمامين يحملان اسمها، يعدّان نموذجاً لعمارة الحمّامات العثمانية.

و يرى البعض في هذا الصمت، مع التذكير أن أحداث القصة تأتي خدمة لحبك فكرة الكاتب كما يراها هو عملا خياليا لا مرجعاً تاريخياً، مشروعاً استشراقياً يهدف إلى تشويه التاريخ العثماني.

فعملها هذا على رغم من روعته لاقى بعض الانتقاد خصوصا لتقديمها السلطان سليمان شارباً للخمر وتشكيكها في نسب ولي العهد سليم، إذ ذكرت حادثة زنى الجارية حرم مع شاب اوكراني يدعى فردريك و هو ما بإمكانه تصنيف الروائية دمت آلطن يلكلي أوغلو ضمن مثقفي هذا النهج الذي يحلو لبعض النقاد غير الأتراك تسميته بتيار العثمانية الجديدة.

.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *