الطنطورية

الطنطورية

رقية » بنت فلسطينية من قرية الطنطورة على الساحل الفلسطيني جنوب حيفا. عاينت مقتل ابيها وأخويها وتهجير السكان على يد العصابات الصهيونية في 1948. هجرت مع أمها من قرية الى قرية قبل انتقالهما للعيش في صيدا في لبنان مع باقي الأهل.
من خلال هذه الأسرة، تحكي لنا الكاتبة الراحلة رضوى عاشورعلى شكل مذكرات متنقلة عبر الزمن، حكاية الآباء والأبناء والأحفاد على مدى أربعة أجيال متعاقبة تمتزج فيها التفاصيل بين الخيال الفكري والحقائق التاريخية.

فالطنطورية هي كرسومات « ناجي العلي » أو كتابات « غسان كنفاني » ضعف وقوة، ألم وأمل: ضعف انتزاع الوطن وقوة عدم الاستسلام، ألم التذبيح والتهجير مع أمل العودة ولو بعد حين… هي كل فلسطين التي تأبى أن تصبح ذكرى. هي صرخة الجدات المكتومة في الصدور لزمن طويل، هي الذاكرة المعلقة حول الرقاب والمختزلة في مفتاح البيت القديم المتوارث جيلا بعد جيل.

ان قارئ الرواية يتعرف على لسان رقية أو من عايشتهم، في 58 فصلا، اقتلاع الأرض والاقتلاع من الأرض، يقف على حياة اللجوء بالمخيمات في لبنان، الشتات بين البلدان العربية والأوروبية، المجازر الإسرائيلية واتفاقيات الاستسلام، الحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للجنوب في 1982 الى الانسحاب عام 2000. يتعرف على أهازيجها وأطباقها وأمثالها الشعبية كما رائحة البحر فيها.

لا أعرف مصير عِزّ وزوجته بعد أن دمرت عين الحلوة الطائرات وقصف المدافع عشرة أيام، لم تُبق فيه حجرًا على حجر حتى المستشفى دمَّروه على من فيه. أكرر: عِزّ بخير يا خالتي. تومئ برأسها كأنها توافقني على الكلام. لا أعرف إن كانت تصدِّق ما أقول أو كانت قررت أن نصيبها من المعركة أن تحكم مخاوفها ولا تفصح عنها، وتصبر. وحين تهتز البناية ويتكسَّر زجاج النوافذ وتتطاير شظايا يمكن أن تقتلنا في لمحة، لا تعلِّق، لا تقول أي شيء. ولكنها في الملجأ تتكلم وتستفيض في الكلام في موضوع واحد لا تحيد عنه: الطَّنْطُورَة. تحكي عنها حكيًا متَّصلًا ومفصَّلًا تجذب به انتباه السامعين. ودائمًا ما تنهي الكلام بالعبارة نفسها: «لما نرجع بلدنا، أمانة عليكم زورونا. بلدنا جميلة تستاهلكم وتستاهلوها»

ص.213

ولأنها عبارة عن شهادات في قالب أدبي بديع، يقفز القارئ فيها بين الماضي والمستقبل لاستكمال المشهد الروائي الذي صاغته رضوى عاشور كواحدة من المغربين الفلسطينيين وان لم تكن واحدة منهم. هي التي عرفت طوال حياتها بانحيازها لجميع القضايا العادلة وموقفها من قضية فلسطين، فضلا عن أنها زوجة أديبها (مريد البرغوثي) وأم شاعرها (تميم البرغوثي).  
فعلاقة الاديبة بالقضية علاقة تبادلية كلاهما يؤثر في الاخر. فهي ذاتية الإبداع واجتماعية من حيث الوقائع التاريخية.

إن عملاً كهذا لا يخضع للمقاييس العادية والتصنيفات المعهودة، فرضوى كتبت عن فلسطين، وما كان همها الطنطورة وحدها، أو أهلها وحدهم؛ ومن يقرأ هذا الكتاب يعرف ما معنى النكبة، وما معنى خسارة الوطن، وما معنى اللجوء، وما معنى حياة اللجوء على أرض الوطن نفــسه، قبــل اللجـوء إلى سواه.
أمّا لماذا أعتز حين أقول بأنها حكاية فلسطين؟ لأن الشعب عادة يحكي تراثه وحكاياته الشعبية والأهوال التي مر بها، لكنه لا يؤلف، فكلمة الرواية تحتوي على معاني الصناعة الأدبية، وروعة هذه «الرواية» أنها تحمل القارئ إلى قلب العــائلة والمخيم والهجرة تلو الهجرة عبر الأجيال، إنها هرم من حكايات الناس.

بيان نويهض الحوت  |  تشرين الأول 2010

كمريمة « ثلاثية غرناطة » تبرز شخصية رقية « الطنطورية » في قلب المعاناة ووجع الملحمة. فمرارة ضياع الوطن واحدة رغم تغير الأسماء.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *