رجال في الشمس

رجال في الشمس

بعيدا عن رمزية الهروب من الفقر عامة, والسعي للحياة مع التضحية بالحياة, لأرض الاحلام و لو كان الموت احتمالا بل و إن كان الموت محطة، تضل رواية غسان كنفاني الأولى من أشهر الروايات التي تعالج مشكلة اللاجئ الفلسطيني الباحث عن حل لواقع معيشي مرير.

تحكي رواية رجال في الشمس، الصادرة عام 1963، عبر نماذج من أجيال ثلاث من الشتات الفلسطيني بعد النكبة عن التشرد و الحيرة. فأبو قيس، مروان وأسعد، على اختلاف أعمارهم تقاسموا معاناة شعب تخلى عن قضيته الجميع، فراح كل واحد منهم يبحث عن مخرج شخصي لمرارة العيش المتمثلة في الهرب الى الكويت، حيث فرص العمل. فيقع الكل في مخالب عصابات التهريب التي امتهنت الاتجار بآلام وأمال البشر. و لأن موت الحلم أبشع من كابوس الرحلة، يقبل الثلاثة الهروب داخل صهريج معدني يقود عربته أبو الخيزران (كرمز للقيادات العاجزة) وسط الصحراء، في منتصف شهر أب

لم يكن أي واحد من الأربعة يرغب في مزيد من الحديث.. ليس لأن التعب قد أنهكهم فقط بل لأن كل واحد منهم غاص في أفكاره عميقاً عميقاً.. كانت السيارة الضخمة تشق الطريق بهم وبأحلامهم وعائلاتهم ومطامحهم وأمالهم وبؤسهم ويأسهم وقوتهم وضعفهم وماضيهم ومستقبلهم.. كما لو أنها آخذة في نطح باب جبار لقدر جديد مجهول.. وكانت العيون كلها معلقة فوق صفحة ذلك الباب كأنها مشدودة إليه بحبال غير مرئية.

يموت الرجال الثلاثة داخل الخزان محترقين بنار الداخل في حين التهى الغير (العرب) بأحاديث المجون و الرقص، و يقوم ابو الخيزران برمي جثثهم في المزبلة، بعد أن قبض الثمن. فتختنق صرخة الشعب داخل خزان محكم الاغلاق، دون أن ينتبه من حولهم (أو لربما سمعوا صرخاتهم و ما كانوا ليحركوا ساكنا… فالألم صار عادة دون أن تطرف له الجفون.

من قرأ الرواية يعلم أهمية السؤال المطروح في النهاية لماذا لم يدقوا الخزان؟ ولكل واحد حرية الإجابة. ومن أجمل ما قرأت كتحليل للرواية أن غسان كنفاني على الأقل قد دق الخزان وأطلق صرخة انتقاد للاستسلام للأمل الزائف بأن يأتي الحل من خارج الحدود. فلا أحد يملك أن يخلص الفلسطيني من موته سوى الفلسطيني نفسه، لأن الجميع مراهن على جلوسه في صمت متقبلا الأمر الواقع.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *