يوميات راكب


Think / jeudi, février 24th, 2011

Rampes d'un busلقد كانت « الضحية » اليوم، فتى لا يتعدى عمره ربما السابعة عشر.

زعم عدم امتلاكه ثمن التذكرة بعدما حاول كسب بعض الدقائق وهو يبحث عن واحدة وهمية تكون قد حشرت في ثنايا جيبه. فما كان من تحاذقه إلا أن زادهم غضباً و حجة للانقضاض عليه… دفعا أو جراً إلى عجز الحافلة ل »تلقينه درساً ».

كانت أساليبهم تثير دوما اشمئزازي. كأن مواقف كتلك لا تطوي وحدها ما يكفي من المهانة و الذل.

لا أفهم بدءًا لما يتوجب وجود مراقبين، بالجملة، في حافلةٍ تضيق ممراتها بركابها لتسمح لهم التخلل بينهم مطالبين بورقة تتفتت بين الأصابع المملحة عرقا.

و لا أفهم أبداً لجوئهم إلى تلك الخشونة و القوة في « تأديب » من سولت له نفسه التلصص من أداء الواجب… « الحضري ». 

فشكراً للأيادي المتطاولة ضرباً و الألسن الناطقة شتماً و سباً.

لأن مظاهر إسترجاع « المال المسروق » و « إستحقاق الحق »، تبقى غير معهودة في يومياتنا، إلا ما قد تجود به الصدف في وسائل نقلنا.

لحظتها حضرني مثل يقول : « لي معندوش ما خصوش »…

لم أجد يوماً في تلك المقولة الشعبية تكريسا لفكرة الحرمان أو الاستئناس بها، أو تشريعا لانتفاخ بطون الأثرياء حين تجهض أحلام التعساء. بل بالأحرى، كان تأكيدا على الكرامة و حفظ ماء الوجه دون سكبه مذلة و سؤالاً.

و استغربت كيف يرضى هذا « السارق » لنفسه مهانةً مماثلة (فقد تبين بعدها أنه يملك ما يكدح غيره لكسبه ليومٍ أو أقل، دارجاً مع ذلك في حساباته الصغيرة ثمن المقعد الذي سيشغله عائداً إلى البيت).

صرت أجول بنظري، استكشف الحافلة كمن يحشر فيها أول مرة، و التي واصلت إقحامنا في الأزقة غير أبهة بتلك الجعجعة التي علت على أزيزها بين محطتين و غادرتها. و كنت أسأل نفسي كيف لم يكفوا عن إهانته، و إهانتنا الكبرى أن نرضى هذا القفص الحديدي نقلاً لنا. حيث يتوج المرء كل يومٍ بطلاً إن هو غادرها بنصف الأناقة التي صعد بها.

فنصف الكراسي مهترئة بالية دون مسند.

ربع منها يؤرجحك عند كل فرملة أو لقاء حفرة. يئن تحت أحمالنا رغم إختلاف أجسامنا. فمنها من يكثر الأنين على نحافة صاحبه!

و الربع الاخر تكفل مناصرو الكرة بخلعها عقب كل مباراة. حال الفوز أو الخسارة على السواء.

و لربما في الأمر فلسفة تفضي بأن اقتلاع الكرسي أسهل و هو شاغر، في زمان يتوحد فيه البعض للأبد مع كراسيهم. 

فتترك تلك « الباصات » على عاهاتها مبتورة الأطراف مشوهة الملامح منّفرة المنظر.

و يتساوى الكل في مساحات نقف فيها بدل كراسي نجلس عليها، متأرجحا أو متخذا ظهر صاحبه جدارا يتّكأ عليه.

فالبعض لم يخلق للجلوس على كرسي… ولو في حافلة للنقل العمومي     !

عرجت بعدها على النوافذ و الزجاج المهشم،  و مسثحاثات الوساخة في الممرات و القضبان الحديدية و السقف و كل ما بدا لي جهدا في إطالة عمر هذه الآلة من حبال و بلاستيك محكومة الربط يجيد السائق استخدامها …

شعرت بالغثيان و أنا أحاول استيعاب ما أصبح جزأ من يومياتنا وألفناه.

هممت بلف التذكرة كما هي دوماً عادتي، و استوقفني للحظة اسم الشركة.

تسللت لي بسمة استهزاء و تابعت اللٌف ببطء كمن يلف سيجارة.

اذ كانت دوما السخرية هي تلك الجرعة المعتادة من الأفيون التي إن لم تمنحنا نشوة أكبر، كانت لنا فسحة للترويح و إبتلاع المرارة. فلذا ترانا رغم البلية نصنع النكتة و نتناقلها.

و عادة ما تمتزج عندنا النكتة بالسياسة، و تصير السياسة وجهاً من أوجه الضحك…على الذقون غالبا!!

لذا توجب على بعض السلع أن تغير من أسماءها تماشيا مع رغبات طالبيها، و بعض الأماكن احتراما لمرتاديها.

هناك أسماء تنسج لنا أحلاماً و أخرى تخدعنا…

وهذه المرة لم تكن الرفاهية ما جادت به موائد الدول الأخرى بعد التخمة…

بل هي فقط شاحناتٌ انتهى أمدها الافتراضي في خدمة الآخرين و أخرجت من كشوفات حساباتهم رغم سلامتها، فنقنعهم بنفعها ليكتشف أن في العمر بقية لتدخل حساباتنا و لا تعود لتخرج منه ولو هرمة.

 فنحن أمة ألفت أن ترضى من الولائم بالفتات ومن الشعوب بالإعانات… و صرنا كلما أطلنا الوقوف في تلك المساحات المتسعة رقعتها بين غضبة و أخرى، طمحنا لشحنة جديدة من الهبات.

لا عجب إذاً، أن يرجع البعض من سفرهم للخارج و قد إحتفظ ببطاقة كان يستعملها لركوب المترو أو تذكرة إياب لحافلة، جنبا إلى جنب لصوره التذكارية.

ألسنا نأخذ دوماً شيئاً للذكرى حين انبهارنا أول مرة؟

فتكون للبعض منا الفسحة الوحيدة و السياحة اليتيمة التي يجوب فيها شوارع المدينة و عطر باريسي أو جبن هولندي يداعب مخيلته، أو يتحايل فيها على الوقت بقراءة و فك رموز ما كتب بحروف لاتينية، في هياكل تعدو متعددة اللغات. 

لا أقصد ما كتب على الكراسي أو جوانبها.  فنقش الخواطر على الجدران و طاولات المدارس فن لا يتقنه سوانا.

فلريتهم انشغلوا عنا بمطالعتنا.

حيث صار لسواد الطاولات عاماً بعد عام، و « معلقات » الشعارات على الحافلات،  معنى بيٌن سهل الإدراك لمن أراد. أفرغ مداد ثقله بأسطرٍ مموجةٍ عابر سبيلٍ لقارئ يليه في المقعد نفسه، ليضيف كلمة أو يغير فكرةً.

و من بين ما أحب اكتشافه كل مرة بلغة مختلفة، تكون العبارات الملصقة على الهياكل و التي توصي بإعطاء الأولوية للحوامل و المسنين و معطوبي الحرب.

و لربما الإيثار – العفوي – هنا هو الشيء الوحيد الذي نتميز به مقارنة.

حيث الحوامل تجد لها حتماً مقعداً من تلك المقاعد القليلة، و تكون النساء غالباً من يسارع لإخلائها.

و لابد لمن إتخذ عكازه رفيقاً أن يريح ظهره المتقوس و أرجله المرتجفة، على الرغم من احتجاجه. فيرى البعض منهم شغل مكان لم يكن له بدءًا ما يهين شيبته فيتعفف رافضاً راضياً.

أما معطوبوا الحروب فلا نجدهم بيننا، على كثرتهم. فاللافتة لا تعني إلا من يشهر عاهته متنقلاً، و لا تلتفت لمن يخفي جرحه دفيناً.

اذ يتساوى حينئذ الجميع في طلب الأولوية.

لكن معطوبوا حروبهم، من خاض نزاعاتهم نيابة، فلم يشحنوا مع حافلاتهم لتكون لهم الأولوية في المقاعد، إنما اثروا البقاء هناك إلى أن يشحنوا، ربما، إلى مثواهم الأخير، حيث تكون لهم حتما الأسبقية للعبور. فالمقابر وحدها لا تقفل أبوابها أمام من أتاها و الارتحال للعالم الأخر وحده لا يستوجب تأشيرة مرور…

 

و أعود لسؤال نفسي ثانية، كيف يتصرف على هذا النحو مراقبو نقل سقط الألف سهوا عن « حضارته »؟ كيف و ثمن رحلاته ما فتئ يرتفع مع انخفاض جودته؟ كمن يقنعنا بضرورة المساهمة في تمويله كما كانت لنا يد في إتلافه…

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *